الآلوسي

5

تفسير الآلوسي

أفضلاً عن إجماعهم ، وأن الأرض لا تخلو عن واحد منهم حتى يرث الله تعالى الأرض ومن عليها ، ولا يخفى أن دون إثبات ما قالوه خرط القتاد * ( لتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاس ) * أي سائر الأمم يوم القيامة بأن الله تعالى قد أوضح السبل وأرسل الرسل فبلغوا ونصحوا وهو غاية - للجعل - المذكور مترتبة عليه . أخرج الإمام أحمد وغيره عن أبي سعيد قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل والنبي ومعه الرجلان وأكثر من ذلك فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم هذا ؟ فيقولون : لا ، فيقال له : هل بلغت قومك ؟ فيقول : نعم ، فيقال له : من يشهد لك ؟ فيقول : محمد وأمته ، فيدعى محمد وأمته فيقال لهم : هل بلغ هذا قومه ؟ فيقولون : نعم . فيقال : وما علمكم ؟ فيقولون : جاءنا نبينا صلى الله عليه وسلم فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا فذلك قوله تعالى : * ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ) * " وفي رواية : " فيؤتى بمحمد صلى الله عليه وسلم فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بعدالتهم " وذلك قوله عز وجل : * ( وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) * وكلمة الاستعلاء لما في - الشهيد - من معنى الرقيب ، أو لمشاكلة ما قبله ، وأخرت صلة الشهادة أولاً وقدمت آخراً لأن المراد في الأول : إثبات شهادتهم على الأمم ، وفي الثاني : اختصاصهم - بكون الرسول شهيداً عليهم - وقيل : لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا فيما لا يصلح إلا بشهادة العدول الأخيار * ( ويكون الرسول عليكم شهيداً ) * ويزكيكم ويعلم بعدالتكم ، والآثار لا تساعد ذلك على ما فيه * ( وَمَا جَعَلْنَا الْقبْلَةَ الَّتي كُنتَ عَلَيْهَآ ) * وهي صخرة بيت المقدس ، بناءاً على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن قبلته صلى الله عليه وسلم بمكة كانت بيت المقدس لكنه لا يستدبر الكعبة - بل يجعلها بينه وبينه - و * ( التي ) * مفعول ثان - لجعل - لا صفة القبلة والمفعول الثاني محذوف أي ( قبلة ) كما قيل . وقال أبو حيان : إن - الجعل - تحويل الشيء من حالة إلى أخرى ، فالمتلبس بالحالة الثانية هو المفعول الثاني ، كما في - جعلت الطين خزفاً - فينبغي أن يكون المفعول الأول هو الموصول والثاني هو القبلة وهو المنساق إلى الذهن بالنظر الجليل ، ولكن التأمل الدقيق يهدي إلى ما ذكرنا لأن القبلة عبارة عن الجهة التي تستقبل للصلاة - وهو كلي - والجهة التي كنت عليها جزئي من جزئياتها ، - فالجعل - المذكور من باب تصيير الكلي جزئياً ، ولا شك أن الكلي يصير جزئياً - كالحيوان يصير إنساناً - دون العكس ، والمعنى أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة - كما هو الآن - * ( وما جعلنا ) * قبلتك بيت المقدس لشيء من الأشياء * ( إلاَّ لنَعْلَمَ ) * أي في ذلك الزمان * ( مَن يَتبعُ الرَّسُولَ ) * أي يتبعك في الصلاة إليها ، والالتفات إلى الغيبة مع إيراده صلى الله عليه وسلم بعوان الرسالة للإشارة إلى علة الاتباع . * ( مَّمن يَنقلبُ عَلَى عَقبيْه ) * أي يرتد عن دين الإسلام فلا يتبعك فيها ألفاً لقبلة آبائه ، و ( من ) هذه للفصل كالتي في قوله تعالى : * ( والله يعلم المفسد من المصلح ) * ( البقرة : 220 ) والكلام من باب الاستعارة التمثيلية بجامع أن المنقلب يترك ما في يديه ويدبر عنه على أسوأ أحوال الرجوع ، وكذلك المرتد يرجع عن الإسلام ويترك ما في يديه من الدلائل على أوسأ حال . و ( نعلم ) حكاية حال ماضية ، و ( يتبع ) و ( ينقلب ) بمعنى الحدوث ، - والجعل - مجاز باعتبار أنه كان الأصل استقبال الكعبة ، أو المعنى : ما جعلنا قبلتك بيت المقدس إلا لنعلم الآن بعد التحويل إلى الكعبة من يتبعك حينئذ ممن لا يتبعك كبعض أهل الكتاب ارتدوا لما تحولت القبلة فنعلم على حقيقة الحال . والحاصل أن ما فعلناه كان لأمر عارض - وهو امتحان الناس -